Print this page

التربية العمرانية: درس تونسي في توطين الأفكار الوافدة 3/4 ما بعد 2011:  جدل يتكرر وإصلاح لا يتراكم

رأينا في الجزأين السابقين كيف وطّنت تونس مشروعاً

دولياً في السبعينيات، وكيف تعثّرت تجديدات لاحقة افتقدت الشروط نفسها التي وفّرتها التربية العمرانية. في هذا الجزء نسأل: ماذا حدث لهذه الشروط حين انتقلت تونس من بيئة أكثر استقراراً إلى فضاء تعددت فيه مراكز القرار والتفاوض والاعتراض؟ هل صار الزمن السياسي أقصر من الزمن الذي يحتاجه أي إصلاح تربوي، وهل كان انقطاع الاستمرارية بعد 2011 قطيعة فعلية مع أنماط الإدارة السابقة أم استمراراً لها بشعارات جديدة؟

منذ ندوة وزارة التربية حول منهجية الإصلاح في مارس 2012، ظهرت دعوة إلى إصلاح تشاركي، تلتها استشارة وطنية واسعة، ثم حزمة إجراءات في أوت 2014. لكن هذه المبادرات توقفت واحدة تلو الأخرى مع مغادرة أصحابها الوزارة، قبل أن يصل المسار إلى حوار 2015. وقبل ذلك الحوار بأشهر قليلة، حاول وزير آخر إطلاق مسعى مشابه في 29 جانفي 2015، فقاطعه الاتحاد العام التونسي للشغل، وعلّق أحد قادته بعبارة لاذعة أن الوزير «له بعض الساعات ليغادر ويريد ترك بصمة». تختزل هذه الواقعة إحدى مشكلات الإصلاح في تلك المرحلة: تعاقب القيادات وتغيّر الأولويات، بما أضعف استمرارية المبادرات. وفي مسار العشرية ستتكرر أربع سمات مترابطة: تعدد الفاعلين، واتساع الاحتجاج، وتغيّر القيادات، وضعف الاستمرارية.

فحين انطلق «الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية» في 23 أفريل 2015، تحت إشراف ثلاثي جمع وزارة التربية بقيادة ناجي جلول والاتحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان، ممثلاً شبكة «عهد» التي تضم تسع جمعيات مدنية، بدا أن الاسم نفسه - «عهد» - يختصر شيئاً من طموح المرحلة: بناء عقد اجتماعي جديد حول المدرسة، بعد تقليد راسخ من إصلاحات فوقية. وكان جمعُ هذه الأطراف حول طاولة واحدة محاولة لبناء ملكية أوسع للإصلاح.

وقد وصف الباحث رياض بن خليفة (2017)، الذي تابع هذا المسار عن قرب، نتيجته بدقة: قطع شوطاً مهماً، لكنه دخل طريقاً وعرة بفعل غياب الإرادة السياسية وهيمنة النزاعات السلكية والقطاعية. فالمشاركة وسّعت ملكية الإصلاح، لكنها لم تُنهِ الصراع حول من يملك حق التأثير في مساره. وكان الاتحاد شريكاً في بلورة الرؤية، وفاعلاً يملك في الوقت نفسه أدوات ضغط قادرة على إعادة رسم حدود التوافق. وحتى داخل الاتحاد نفسه لم يكن الموقف موحداً دائماً، فتعدد مراكز القرار لم يكن بين الوزارة والنقابة فقط، بل أحياناً بين النقابات نفسها.

ولم يكن الحوار بمنأى عن أصوات اعترضت على طريقة إدارته من خارجه. فقد أصدر «الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية»، الذي ضم نحو 250 جمعية، كتاباً أبيض خاصاً به، معلناً اعتراضه على إقصائه من المسار الرسمي، دون أن يبلغ صوته وزناً حاسماً في هذا الفصل من الجدل. وهكذا، على الرغم من حدود التجربة وتناقضاتها، خلّفت تلك المرحلة رصيداً من النقاش والتشخيص والمقترحات لا يبدو من الحكمة التعامل معه كما لو أنه انتهى بانتهاء الحوار نفسه. فما يُبنى في الإصلاح التربوي عبر حوار واسع لا ينبغي أن يصبح وثيقة تخص لحظة سياسية عابرة، بل معرفة متراكمة يمكن أن تعود إليها الإصلاحات اللاحقة.

وهنا يتصل هذا المسار بما رأيناه في الجزء الثاني: فالمنطق الذي رصدته بياتريس هيبو في تبنّي معايير دولية "لتحسين الصورة" دون تبنّي روحها لم ينته مع سقوط النظام الذي وصفته؛ فقد ظلّت مشاريع الإصلاح بعد 2011 تُدار غالباً بالعقلية التكنوقراطية نفسها.

ويمكن قراءة مسار جلول من خلال ثلاثة عناصر مترابطة: مبادرة سريعة، وحضور شخصي وإعلامي قوي، وتصاعد الصراع مع النقابة. فمن أمثلة الاستعجال الجدل الذي رافق إعادة صياغة الزمن المدرسي سنة 2016، حين سبقت المبادرة الوزارية اكتمال التوافق داخل هياكل الحوار؛ ومثله الكتاب الأبيض الذي قدّمه الوزير في ماي 2016 بوصفه مخرجات الحوار الوطني، لتعلن النقابة أياماً بعده أنه صدر خارج سياق ما جرى التوافق عليه.

ومع غياب الزمن الكافي لبناء توافق مستقر، انتقل الخلاف تدريجياً من التفاوض حول مضمون الإصلاح إلى صراع حول من يملك حق تحديد مساره. تصاعد ضغط نقابات التعليم إلى حدّ المطالبة بإقالة الوزير والتلويح بتعليق الدروس، حتى بلغ عشية عيد الشغل حدّ التلويح بمقاطعة احتفالاته إذا لم تُحسم مسألة إقالته. وفي الأول من ماي 2017، أقال رئيس الحكومة يوسف الشاهد وزير التربية. وكان تعثر المشروع نتيجة تفاعل بين أسلوب قيادة معيّن وسياق سياسي ومؤسسي لم يمنح الإصلاح زمناً كافياً لتثبيت توافقاته.

ويقدم مسار المنهاج العام مثالاً آخر على المشكلة نفسها: مشروع بُني على عمل مؤسسي وفني امتد أكثر من عام ونصف، ثم تعثر في الانتقال من الإعداد إلى التعميم. انتظم ملتقى حول إعداد «المنهاج العام» في فيفري 2016، ضمن مقاربة شمولية لمراجعة البرامج. فتشكلت بمقرر من وزير التربية لجنة وطنية ضمت خمسة عشر عضواً من المتفقدين البيداغوجيين، وانطلقت أشغالها في مارس 2016 لتُنهي الاعتماد المنهجي والبيداغوجي في 24 سبتمبر 2017 بتوقيع مشروع النسخة1 من المنهاج العام من طرف 43 متفقداً بيداغوجياً (29 ثانوي/14 ابتدائي)، شاركوا في إعداد التقرير النهائي والمصادقة عليها. رافق التجربة مكتب دراسات دولي، المركز الدولي للدراسات البيداغوجية، اقتصر دوره على الإسناد المنهجي والفني لا القيادة - وقد أفصحت الوثيقة نفسها عن هذا الحرص حين تحدثت عن "استلهام معايير عالمية" دون أن تغيب عن الأذهان "خصوصية المجتمع التونسي". وامتد أثر هذه اللجنة أيضاً إلى حلقات أخرى من المنظومة: فقد أنتجت مرجعية كفايات المدرّس، وأشرفت على منهاج السنة التحضيرية الذي لا يزال معتمداً في التربية قبل المدرسية.

وكما حدث مع التربية العمرانية قبل نصف قرن، وجد المشروع نفسه في مرمى جدل حول خلفيته المؤسساتية واتهامات بوجود مكتب استشاري فرنسي يشرف على أعماله، واعتُبر ذلك مساً بالسيادة الوطنية، نفس المفردات، وإن كانت هذه المرة واجهة الجدل أكثر حضورًا من جوهر المشكلة. فقد توقف تعميم المشروع في مراحله الأخيرة، واقتصر تطبيقه على ثلاث مواد بدأت بالتجريب قبل غيرها - الإعلامية والتكنولوجيا ثم الاقتصاد - إذ طُبّقت مقاربة المنهاج الجديد في الكتب المدرسية الخاصة بها، وتواصل العمل بها رغم تعطل المشروع ككل. وكشفت التجربة في مادة التكنولوجيا تحديداً فاعلية واضحة في تحسين أداء التلاميذ ومهاراتهم الإبداعية، فلا يبدو أن تعطل المشروع يمكن تفسيره بخلل علمي في المقاربة وحدها. بل تكشف شهادة أحد أعضاء اللجنة الوطنية أن تعطل التعميم ارتبط أيضاً بتوازنات نقابية ومؤسسية لم تكن ظاهرة في واجهة المشروع، وأن مواقف بعض الفاعلين النقابيين كان لها وزن في تحديد مآله، وفق الشهادات المتاحة. فما يظهر في الواجهة ليس بالضرورة ما يحسم المسار.

وهذه المحطات الثلاث -الحوار الوطني، ومسار جلول، والمنهاج العام- ليست في النهاية ثلاثة أسباب منفصلة بقدر ما هي تراكم شروط غائبة: استمرارية سياسية وإدارية للمشروع إذ ظل كل وزير يبدأ من نقطة الصفر بدل البناء على ما سبق، وحوار يشمل جميع الأطراف لا بعضها، وآلية واضحة لإدارة الخلاف حين يختلف الشركاء فيما بينهم. وتبقى القاعدة التي علّمتنا إياها التربية العمرانية صحيحة هنا أيضاً: المقاومة ليست دليلاً على فساد الفكرة بل كشفاً لما يحتاج تفسيراً أو تعديلاً أو تهيئة، فإذا لم تبلغ الطريقة هدفها، تبدأ المراجعة منها لا من وزير بعينه أو نقابة معترضة، ناهيك عن تلاميذ لا يد لهم في رسم السياسات أصلاً؛ وقد افتقدت بعض التجارب اللاحقة هذه الشروط بدرجات مختلفة.

فهل تصمد هذه القاعدة حين لا يكون موضوع الإصلاح منهاجاً أو زمناً مدرسياً، بل قضية تمسّ القيم والهوية والجسد - وربما مدرسة الغد كلها؟ هذا ما نتناوله في الجزء الرابع والأخير.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال